محمد بن الطيب الباقلاني
286
الإنتصار للقرآن
رآه السلطان لأدّبه » « 1 » ، وكلام هذا نحوه ، قالوا : يدلّ ذلك على وجوب ترتيب السور وتأليفها في القراءة والرسم . وهذا لا حجّة فيه ، لأنّهما إنّما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أوّلها ، لأنّ ذلك حرام محظور ، وفي الناس من يتعاطى هذا في القرآن وفي إنشاد الشعر فيذلّل عند نفسه بذلك لسانه ويقتدر به على الحفظ ، وذلك مما حظره اللّه تعالى ومنعه في قراءة القرآن ، لأنّه إفساد للسورة ومخالفة لما قصد بها وتجاوز لما حدّ في كتابتها وتلاوتها ، وليس يريد بذلك من قرأ القرآن من أسفل إلى فوق ، ومن بدأ بآل عمران وثنّى بالبقرة ، وكيف يريدون ذلك وهم قد علموا اختلاف تأليف المصاحف ، وأنّ في الأمّة من يبدأ بحفظ ما خفّ من المفصّل ثم يرتفع إلى حفظ ما طال وصعب ، ومنهم من يحفظ متفرّقا من المواضع المختلفة ويتلوه كذلك ، ومن يصلّي به في فرائضه ونوافله على هذا الوجه ، وهو غير مذموم بل عمل الأمّة على تجويز ذلك وأنّه شائع مستقرّ إلى اليوم ، وقول ابن مسعود : « ذاك رجل منكوس القلب » إنّما خرج على وجه الذمّ ، فلا ذمّ على من قرأ البقرة وثنّى بالنحل لو صلّى كذلك ، فثبت أنّ التأويل ما قلناه . ويدلّ على ذلك قول ابن عمر : « لو رآه السلطان لأدّبه أو عاقبه » ، وقد علم أنّه لا أدب ولا عقاب على من قرأ البقرة وثنّى بالحج ، فصحّ أنّ تأويل منكّس القراءة تنكيس آيات السور ، وقول عبد اللّه بن مسعود : « ذاك رجل منكوس القلب » يعني أنّه مقيم على معصية اللّه تعالى / ومخالف لأمره في لزوم ترتيب آيات السور وترك قلبها أو قلب حروف آياتها .
--> ( 1 ) هذه الآثار رواها ابن أبي شيبة في « المصنف » ( 7 : 206 كتاب فضائل القرآن ، باب من كره أن يقرأ القرآن منكوسا ) .